المحكمة العليا - مجموعة رقم 21 - رقم الصفحة 230 - القضية رقم 1 - لسنة 8 ق - تاريخ الجلسة 16 / 4 / 1977

الهيئة

برئاسة السيد المستشار بدوي إبراهيم حمودة رئيس المحكمة. وحضور السادة المستشارين محمد عبد الوهاب خليل وعمر حافظ شريف ومحمد بهجت محمود عتيبة نواب رئيس المحكمة، وعلي أحمد كامل وأبو بكر محمد عطية الوكيلين بالمحكمة والمستشار محمد فهمي حسن عشري أعضاء، والمستشار محمد كمال محفوظ المفوض، والسيد/ سيد عبد الباري إبراهيم أمين السر.

المبدأ رقم 1

يبين من استعراض التشريعات المتعاقبة الخاصة بجريمة الكسب غير المشروع - وهي المرسوم بقانون رقم 131 لسنة 1952 والقرار بقانون رقم 148 لسنة 1961 والقانون رقم 11 لسنة 1968 والقانون القائم رقم 62 لسنة 1975 - أنها تؤثم الكسب غير المشروع وتعاقب عليه وعلى الأفعال المتصلة به بعقوبات جنائية وهي تتضمن نوعين من القواعد القانونية النوع الأول قواعد موضوعية تتعلق ببيان الجريمة والعقوبة المقررة لها، والنوع الثاني قواعد إجرائية تبين اللجان المختصة بفحص إقرارات الذمة والجهات المختصة بالتحقيق وإقامة الدعوى والمحاكمة، وكلا هذين النوعين تسري في شأنه القواعد القانونية المنظمة للتنازع الزمني للقوانين الجنائية. وهذه القواعد تفرق - فيما تقضي به من حلول لهذا التنازع - بين القوانين الموضوعية والقوانين الإجرائية إذ يسري في شأن القوانين الموضوعية المبدأ المقرر في المادة 66 من الدستور المقابلة للمواد 6 من دستور 1923 و6 من دستور 1930، 32 من دستور 1956 و8 من دستور 1958 و25 من دستور 1964 وهو يقضي "بألا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون .... ولا عقاب إلا على الأفعال التالية لتاريخ نفاذ القانون". كما يسري في شأنها حكم المادة الخامسة من قانون العقوبات التي تنص على أن "يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها ومع هذا إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائيا قانون أصلح للمتهم فهو الذي يتبع دون غيره"، ومقتضى ذلك أن القانون الموضوعي لا يسري على الماضي إلا إذا كان أصلح للمتهم أو كان قانونا تفسيريا أو كانت الجريمة مستمرة وظلت حالة الاستمرار أو التجدد باقية بعده، أما القوانين الإجرائية فإن الأصل فيها أن تسري بأثر فوري مباشر على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى وما لم يكن قد تم من إجراءات قبل تاريخ العمل بها ولو كانت عن جرائم وقعت في ظل قانون سابق، ولا يستثنى من هذا الأصل سوى القوانين المعدلة للاختصاص وقواعد مضي المدة وطرق الطعن في الأحكام، كل ذلك ما لم ينص القانون الإجرائي الجديد على خلافه، وعلة هذه التفرقة أن القوانين المتعلقة بالجرائم والعقوبات يسودها مبدأ الشرعية لما تتضمنه من أذى خطير يلحق الفرد في حياته أو في ماله أو حريته أو في شرفه مما يصبح معه الأثر الرجعي لهذه القوانين عيبا يشوبها بالانحراف عن جادة الشرعية، أما القوانين الإجرائية فإن الغاية منها ضمان الوصول إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وحماية صالح المجتمع وصالح القيم معا مما يعتبر معه كل تعديل في هذه القوانين أصلح من سابقه وأقرب إلى هذه الغاية وليس للمتهم أن يعترض عليه أو يطلب إعمال القانون الذي كان نافذا وقت اقتراف جريمته.

المبدأ رقم 2

قصد الشارع من النص في المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 بشأن الكسب غير المشروع على استمرار العمل بالقوانين المشار إليها في هذه المادة بالنسبة إلى من كانوا يخضعون لهذه القوانين وتركوا الخدمة أو زالت صفتهم قبل العمل بالقانون الجديد، هو استمرار العمل - فحسب - بما تتضمنه هذه التشريعات من أحكام موضوعية، دون ما ورد فيها من أحكام إجرائية ولا ينال من ذلك ما قد يقال من أن المادة المذكورة لم تستثن من استمرار سريان هذه القوانين سوى فحص الإقرارات الواجب فحصها طبقا لها إذ عهدت به إلى هيئات الفحص المنصوص عليها في المادة الخامسة من القانون الجديد رقم 62 لسنة 1975 وما قد يقال من أن مفاد ذلك بمفهوم المخالفة هو استمرار العمل بكافة ما ورد في هذه القوانين من أحكام موضوعية أو إجرائية غير ما استثني صراحة بنص المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 ذلك أن النص في هذه المادة على أن يعهد إلى اللجان المنصوص عليها في المادة 5 من القانون المذكور بفحص إقرارات من سبق ذكرهم ليس في حقيقته استثناء من القاعدة المقررة في شأن سريان القوانين الإجرائية بأثر فوري مباشر على ما لم يكن قد تم من إجراءات قبل تاريخ العمل بها، بل هو تطبيق لهذه القاعدة رأي الشارع أن ينص عليه صراحة حتى تتولى اللجان المنصوص عليها في المادة الخامسة منه فحص هذه الإقرارات بسلطاتها التي استحدثها القانون لهذه اللجان، إذ ناط بها لأول مرة - فضلا عن فحص الإقرارات - مباشرة إجراءات التحقيق وإقامة الدعوى الجنائية أمام الجهة المختصة وخولها في مباشرة هذا الاختصاص كافة السلطات المخولة لقاضي التحقيق بعد أن كان اختصاص اللجان المنصوص عليها في القوانين الملغاة مقصورا على مجرد فحص الإقرارات وطلب الإيضاحات والمعلومات دون مباشرة التحقيق والتصرف فيه مما كان منوطا بالنيابة العامة، وقد استهدف الشارع بهذا التعديل في اختصاص اللجان المذكورة سرعة البت في قضايا الكسب غير المشروع رعاية لصالح المجتمع ولصالح المتهم معا.

المبدأ رقم 3

تنص المادة 159 من الدستور على أن "لرئيس الجمهورية ولمجلس الشعب حق إحالة الوزير إلى المحاكمة عما يقع منه من جرائم أثناء تأدية أعمال وظيفته أو بسببها"، كما تنص المادة الأولى من قانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 على "تتولى محاكمة الوزراء محكمة عليا تشكل من أثنى عشر عضوا ...". ويستفاد من هاتين المادتين أن الشارع يخول الوزراء حصانة خاصة تتمثل في السلطة التي تملك إحالتهم إلى المحاكمة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تأدية أعمال وظائفهم أو بسببها كما تتمثل في الهيئة التي تتولى محاكمتهم عن هذه الجرائم، وهذه الحصانة مقررة لمنصب الوزير لا لشخصه، وقد ورد نص المادة 160 من الدستور - قاطعا في الدلالة على هذا المعنى إذ تنص على أن "يقف من يتهم من الوزراء عن عمله إلى أن يفصل في أمره ......" وجلي أن الوقف عن العمل لا يكون إلا بالنسبة إلى من يكون قائما - وقت بدء اتخاذ الإجراءات قبله - بعمله فعلاً كوزير - وحكمة هذا الوقف ظاهرة وهي دفع مظنة استغلال الوزير سلطات منصبه ونفوذه في التأثير في إجراءات المحاكمة، والقول بغير ذلك يعني أن يظل من شغل منصب الوزير فترة ما متمتعا بهذه الحصانة ما بقي حيا وهو أمر يأباه المنطق القانوني السليم.

المبدأ رقم 4

تنص المادة 20 من قانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 على أنه "إذا قدم اقتراح باتهام وزير وكانت خدمته قد انتهت وجب سماع أقواله أمام مجلس الأمة ولجنة التحقيق إذا طلب ذلك بعد تقديم الاقتراح وقبل صدور قرار الاتهام" وهذا النص إذ يعالج وضع الوزير الذي انتهت خدمته قبل البدء في اتخاذ إجراءات الاتهام ضده - وهو الاقتراح بالاتهام - فيوجب سماع أقوال هذا الوزير أن طلب سماع أقواله في الفترة بين تقديم الاقتراح بالاتهام وصدور قرار الاتهام إنما يتعارض مع حكم المادتين 159 و160 من الدستور اللتين تفترضان البدء في اتخاذ إجراءات الاتهام ضد الوزير وهو قائم فعلا بأعباء الوظيفة يؤيد هذا النظر أن المادة 160 من الدستور إذ نصت على أن "انتهاء خدمة الوزير لا يحول دون إقامة الدعوى عليه أو الاستمرار فيها" إنما تفيد البدء في اتخاذ الإجراءات المذكورة قبل انتهاء خدمة الوزير، ومن ثم يتعين الالتفات عن المادة 20 من القانون رقم 79 لسنة 1958 المشار إليها والاعتداد بنصوص الدستور المتقدم ذكرها.

المبدأ رقم 5

اتحاد مصر وسوريا في سنة 1958 في دولة واحدة ترتب عليه نشوء دولة جديدة باسم "الجمهورية العربية المتحدة"، وقد أفرد دستور سنة 1958 بابا قائما بذاته - هو الباب الخامس منه - عالج فيه أثر قيام الدولة الجديدة على التشريعات المعمول بها في كل من الإقليمين فنص على أن "تبقى هذه التشريعات سارية المفعول في النطاق الإقليمي المقرر لها عند إصدارها"، وقد أصدرت الدولة الجديدة العديد من التشريعات منها القانون رقم 79 لسنة 1958 الخاص بمحاكمة الوزراء وفي سنة 1961 انفصل الإقليم السوري عن الدولة الجديدة التي بقيت بعد الانفصال تحمل اسم "الجمهورية العربية المتحدة" وفقا للمادة الأولى من دستور 1964، ولما كان انفصال جزء من إقليم الدولة عنها لا يؤثر في نفاذ القوانين السارية فيها، فإن انفصال الإقليم السوري في عام 1961 عن الجمهورية العربية المتحدة لا يؤثر في استمرار سريان القانون المشار إليه في مصر بعد انفصال سوريا لأنه كان وما يزال قانونا من قوانين "الجمهورية العربية المتحدة". وإذ نصت المادة الأولى من القانون المشار إليه على تشكيل المحكمة المنوط بها محاكمة الوزراء من عنصر سياسي وعنصر قضائي، يمثل كل عنصر منهما ستة أعضاء وكان العنصر القضائي أثناء الوحدة موزعا بالتساوي بين إقليمي الدولة فإن هذا العنصر يصبح بعد الانفصال مكونا من ستة من مستشاري محكمة النقض المصرية عملا بأحكام الميراث الدولي سالفة الذكر. ويخلص مما تقدم أن المحكمة التي تتولى محاكمة الوزراء تشكل في مصر بالنسبة إلى العنصر القضائي بعد انفصال الإقليمين السوري والمصري من ستة من مستشاري محكمة النقض.

المبدأ رقم 6

تنص الفقرة الأولى من المادة 159 من الدستور على أن "لرئيس الجمهورية ولمجلس الشعب حق إحالة الوزير إلى المحاكمة عما يقع منه من جرائم أثناء تأدية أعمال وظيفته أو بسببها". ويستفاد من هذا النص في ضوء تتبع مصدره التاريخي وهو المادتان 66 و68 من دستور 1923 أنه يقوم على التفرقة بين الجرائم التي يرتكبها الوزير بوصفه فردا عاديا دون أن يكون لها أي علاقة بوظيفته، وهذه ينعقد الاختصاص بالاتهام والمحاكمة فيها للسلطات ذات الولاية العامة إعمالا لمبدأ المساواة بين المواطنين لدى القانون بالتطبيق لحكم المادة 40 من الدستور، وبين الجرائم التي يرتكبها الوزير أثناء قيامه بأعمال وظيفته أو بسببها سواء كانت من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات أو كانت من الجرائم المنصوص عليها في قانون محاكمة الوزراء، أو في أي قانون آخر، لأن هذه الجرائم الأخيرة هي التي تقتضي دون سواها - وضع إجراءات خاصة للاتهام والمحاكمة تطبيقا للمادتين 159 و160 من الدستور فيعهد باتهام الوزير ومحاكمته إلى سلطات خاصة وعلى مقتضى ذلك تكون محاكمة الوزراء وفقا لقانون محاكم الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 غير مقصورة على ما ورد في المادة الخامسة من هذا القانون من جرائم، وإنما تمتد - كذلك - إلى كل الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات وفي القوانين المكملة له ما دامت تقع من الوزير أثناء تأدية وظيفته أو بسببها.

الوقائع

طلب وزير العدل بكتابه المؤرخ في 2 من فبراير سنة 1977 إلى رئيس المحكمة العليا إصدار قرار تفسيري لنصوص المواد الآتية: أولا: نص المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع لبيان ما إذا كان ما ورد في هذا النص من استمرار العمل بالقوانين المشار إليها فيه بالنسبة إلى من كانوا يخضعون لها وتركوا الخدمة أو زالت صفتهم قبل العمل بالقانون رقم 62 لسنة 1975 - ينصرف إلى الأحكام الموضوعية والأحكام الإجرائية الواردة في هذه القوانين على حد سواء أم أنه ينصرف - فحسب - إلى ما ورد في القوانين المذكورة من أحكام موضوعية تتعلق ببيان الجريمة وعقوبتها، أما ما عدا ذلك فتسري في شأنه أحكام القانون رقم 62 لسنة 1975. وجاء في هذا الطلب - وفي المذكرة المرافقة له - أن القوانين المشار إليها في المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 قد تضمنت أحكاما موضوعية وأحكاما إجرائية تختلف عن تلك التي وردت في هذا القانون، ولذا فقد أثار نص المادة المذكورة خلافا في الرأي حول استمرار العمل بالقوانين المشار إليها فيه بالنسبة إلى من كانوا يخضعون لهذه القوانين وتركوا الخدمة أو زالت صفتهم قبل العمل بالقانون رقم 62 لسنة 1975. فذهب رأي إلى أن المقصود بما ورد في هذا النص من استمرار العمل بالقوانين المشار إليها فيه بالنسبة إلى من سلف ذكرهم هو استمرار العمل - فحسب - بما ورد في هذه القوانين من أحكام موضوعية تتعلق ببيان الجريمة وعقوبتها، أما الأحكام الإجرائية المتعلقة بالتحقيق وإقامة الدعوى الجنائية والجهة المختصة بتحريكها والمحكمة المختصة بنظرها فتسري في شأنها أحكام القانون رقم 62 لسنة 1975. وذهب رأي آخر إلى أن المقصود من نص المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 على استمرار العمل بالقوانين المشار إليها فيه - هو استمرار العمل بما ورد في القوانين المذكورة من أحكام موضوعية وأحكام إجرائية على السواء. ثانيا: المادة الأولى من قانون محاكمة الوزراء في الإقليمين المصري والسوري الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958، لبيان ما إذا كان هذا النص ينصرف إلى الوزراء ولو انتهت مدة خدمتهم، أم أنه لا ينصرف إلا إلى الوزراء أثناء تولي مناصبهم، ولبيان ما إذا كان تشكيل المحكمة التي تتولى محاكمة الوزراء وفقا لهذا القانون قد أصبح متعذرا بعد انفصال الإقليمين المصري والسوري أم أنه يمكن تشكيلها من ستة من مستشاري "محكمة النقض بدلا من مستشاري محكمة النقض ومحكمة التمييز". وجاء في طلب التفسير وفي المذكرة المرافقة له أن نص المادة الأولى من قانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 أثار خلافا في الرأي حول تحديد الوزراء الذين تتولى محاكمتهم المحكمة المنصوص عليها فيه، وحول كيفية تشكيل هذه المحكمة بعد انفصال الإقليمين السوري والمصري. (أ) فبالنسبة إلى تحديد الوزراء الذين تتولى المحكمة المنصوص عليها في هذه المادة محاكمتهم: ذهب رأي إلى أن النص المذكور ينصرف - فحسب - إلى الوزراء أثناء تولي مناصبهم، أما بعد انتهاء هذه المدة لا ينصرف إليهم. وذهب رأي آخر إلى أن النص سالف الذكر ينصرف إلى الوزراء عموما سواء أكانت خدمتهم قد انتهت أو لم تنته. (ب) وبالنسبة إلى تشكيل المحكمة التي تتولى محاكمة الوزراء بعد انفصال الإقليمين السوري والمصري. ذهب رأي إلى تشكيل هذه المحكمة - بعد انفصال الإقليمين - من ستة من مستشاري محكمة النقض. وذهب رأي آخر إلى أن تشكيل هذه المحكمة - بعد الانفصال - أصبح متعذرا قانونا، ومن ثم - وحتى يصدر قانون جديد بشأن محاكمة الوزراء - تكون المحاكم الجنائية العادية هي المختصة بمحاكمة الوزراء باعتبارها صاحبة الولاية العامة. ثالثا: المادة الخامسة من قانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958، لبيان ما إذا كان نص هذه المادة يفيد قصر تطبيق قانون محاكمة الوزراء على الجرائم الواردة فيه أم أن نطاق تطبيق القانون المذكور، يمتد إلى الجرائم الأخرى التي قد تقع من الوزراء أثناء تأدية أعمال وظائفهم أو بسببها. وجاء في طلب التفسير وفي المذكرة المرافقة له، أن نص المادة الخامسة من قانون محاكمة الوزراء أثار خلافا في الرأي حول الجرائم التي يحاكم عنها الوزراء طبقا للقانون المذكور. فذهب رأي إلى أن المقصود بهذا النص هو تعيين الجرائم التي يحاكم عنها الوزراء طبقا لقانون محاكمة الوزراء، أما ما يقع من الوزراء في أثناء تأدية أعمال وظائفهم من جرائم أخرى غير الجرائم الواردة فيه لا يسري في شأنها القانون المذكور، بل يحاكمون عنها طبقا للقانون العام. وذهب رأي آخر إلى أن الوزراء يحاكمون طبقا لقانون محاكمة الوزراء عن كل ما يقع منهم من جرائم أثناء تأدية أعمال وظائفهم أو بسببها سواء أكانت من الجرائم الواردة في نص المادة الخامسة من قانون محاكمة الوزراء أم كانت من الجرائم الواردة في غيره من القوانين ما دامت قد وقعت منهم أثناء تأدية أعمال وظائفهم أو بسببها. وإزاء تباين الآراء في تفسير نصوص قانونية لها أهميتها، وضمانا لوحدة التطبيق القضائي وعملا بأحكام الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون المحكمة العليا الصادر بالقانون رقم 81 لسنة 1969، تقدم وزير العدل بطلب تفسير النصوص المذكورة، وأرفق بالطلب - تطبيقا لنص المادة 14 من القانون رقم 66 لسنة 1970 بشأن الإجراءات والرسوم أمام المحكمة العليا - مذكرة شارحة للأسانيد والمبررات التي تستدعي التفسير وحافظة مستندات. وقيد الطلب برقم 1 لسنة 8ق عليا "تفسير" وأودعت هيئة المفوضين تقريرا مسببا بالرأي القانوني، وحدد لنظر الطلب جلسة 5 من مارس سنه 1977 حيث نظر على الوجه المبين بمحضر الجلسة وأرجئ النطق بالقرار إلى جلسة 2 من أبريل سنة 1977 وفيها مد أجل النطق بالقرار لجلسة اليوم حيث صدر القرار الآتي:.

حيثيات الحكم

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات والمداولة. من حيث أن الطلب استوفى الأوضاع المقررة قانوناً. أولا: عن تفسير المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع. من حيث أن هذه المادة تنص على ما يأتي: "يلغى القانون رقم 11 لسنة 1968 في شأن الكسب غير المشروع، ومع ذلك يستمر العمل به وبالمرسوم بقانون رقم 131 لسنة 1952 بشأن الكسب غير المشروع والقانون رقم 148 لسنة 1961 بتقرير بعض الأحكام الخاصة بالكسب غير المشروع وذلك بالنسبة إلى من كانوا يخضعون لها وتركوا الخدمة أو زالت صفتهم قبل العمل بهذا القانون على أن تتولى فحص الإقرارات الواجب فحصها طبقا لها الهيئات المنصوص عليها في المادة 5 من هذا القانون". ومن حيث أن مثار الخلاف في تفسير هذا النص هو مدلول عبارة استمرار العمل بالقوانين المشار إليها في هذا النص بالنسبة إلى من كانوا يخضعون لتلك القوانين وتركوا الخدمة أو زالت صفتهم قبل العمل بالقانون رقم 62 لسنة 1975 بشأن الكسب غير المشروع، هل تعني هذه العبارة استمرار العمل بكل ما ورد في القوانين المذكورة من أحكام سواء أكانت أحكاما موضوعية أم أحكاما إجرائية، أم أن المقصود هو استمرار العمل - فحسب - بما ورد فيها من أحكام موضوعية تتعلق ببيان الجريمة وعقوبتها، أما ما عدا ذلك فتسري في شأنه أحكام القانون رقم 62 لسنة 1975. ومن حيث أنه يبين من استعراض التشريعات المتعاقبة الخاصة بجريمة الكسب غير المشروع - وهي المرسوم بقانون رقم 131 لسنة 1952 والقرار بقانون رقم 148 لسنة 1961 والقانون رقم 11 لسنة 1968 والقانون القائم رقم 62 لسنة 1975 يبين أنها تؤثم الكسب غير المشروع وتعاقب عليه وعلى الأفعال المتصلة به بعقوبات جنائية وهي تتضمن نوعين من القواعد القانونية النوع الأول قواعد موضوعية تتعلق ببيان الجريمة والعقوبة المقررة لها، والنوع الثاني قواعد إجرائية تبين اللجان المختصة بفحص إقرارات الذمة والجهات المختصة بالتحقيق وإقامة الدعوى والمحاكمة، وكلا هذين النوعين تسري في شأنه القواعد القانونية المنظمة للتنازع الزمني للقوانين الجنائية وهذه القواعد تفرق - فيما تقضي به من حلول لهذا التنازع - بين القوانين الموضوعية والقوانين الإجرائية إذ يسري في شأن القوانين الموضوعية المبدأ المقرر في المادة 66 من الدستور المقابلة للمواد 6 من دستور 1923 و6 من دستور 1930 و32 من دستور 1956 و8 من دستور 1958 و25 من دستور 1964 وهو يقضي "بألا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على قانون ... ولا عقاب إلا على الأفعال التالية لتاريخ نفاذ القانون" كما يسري في شأنها حكم المادة الخامسة من قانون العقوبات التي تنص على أن "يعاقب على الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها ومع هذا إذا صدر بعد وقوع الفعل وقبل الحكم فيه نهائيا قانون أصلح للمتهم فهو الذي يتبع دون غيره"، ومقتضى ذلك أن القانون الموضوعي لا يسري على الماضي إلا إذا كان أصلح للمتهم أو كان قانونا تفسيريا أو كانت الجريمة مستمرة وظلت حالة الاستمرار أو التجدد باقية بعده، أما القوانين الإجرائية فإن الأصل فيها أن تسري بأثر فوري مباشر على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى وما لم يكن قد تم من إجراءات قبل تاريخ العمل بها ولو كانت عن جرائم وقعت في ظل قانون سابق، ولا يستثنى من هذا الأصل سوى القوانين المعدلة للاختصاص وقواعد مضي المدة وطرق الطعن في الأحكام، كل ذلك ما لم ينص القانون الإجرائي الجديد على خلافه، وعلة هذه التفرقة أن القوانين المتعلقة بالجرائم والعقوبات يسودها مبدأ الشرعية لما تتضمنه من أذى خطير يلحق الفرد في حياته أو في ماله أو حريته أو في شرفه مما يصبح معه الأثر الرجعي لهذه القوانين عيبا يشوبها بالانحراف عن جادة الشرعية، أما القوانين الإجرائية فإن الغاية منها ضمان الوصول إلى كشف الحقيقة وتحقيق العدالة وحماية صالح المجتمع وصالح المتهم معا مما يعتبر معه كل تعديل في هذه القوانين أصلح من سابقه وأقرب إلى هذه الغاية وليس للمتهم أن يعترض عليه أو يطلب إعمال القانون الذي كان نافذا وقت اقتراف جريمته وعلى مقتضى ذلك يكون قصد الشارع من النص في المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 بشأن الكسب غير المشروع على استمرار العمل بالقوانين المشار إليها في هذه المادة بالنسبة إلى من كانوا يخضعون لهذه القوانين وتركوا الخدمة أو زالت صفتهم قبل العمل بالقانون الجديد - يكون قصده هو استمرار العمل - فحسب - بما تتضمنه هذه التشريعات من أحكام موضوعية، دون ما ورد فيها من أحكام إجرائية ولا ينال من ذلك ما قد يقال من أن المادة المذكورة لم تستثن من استمرار سريان هذه القوانين سوى فحص الإقرارات الواجب فحصها طبقا لها إذ عهدت به إلى هيئات الفحص المنصوص عليها في المادة الخامسة من القانون الجديد رقم 62 لسنة 1975 وما قد يقال من أن مفاد ذلك بمفهوم المخالفة هو استمرار العمل بكافة ما ورد في هذه القوانين من أحكام موضوعية أو إجرائية غير ما استثني صراحة بنص المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 ذلك أن النص في هذه المادة على أن يعهد إلى اللجان المنصوص عليها في المادة 5 من القانون المذكور بفحص إقرارات من سبق ذكرهم ليس في حقيقته استثناء من القاعدة المقررة في شأن سريان القوانين الإجرائية بأثر فوري مباشر على ما لم يكن قد تم من إجراءات قبل تاريخ العمل بها، بل هو تطبيق لهذه القاعدة رأي الشارع أن ينص عليه صراحة حتى تتولى اللجان المنصوص عليها في المادة الخامسة منه فحص هذه الإقرارات بسلطاتها التي استحدثها القانون لهذه اللجان، إذ ناط بها لأول مرة - فضلا عن فحص الإقرارات - مباشرة إجراءات التحقيق وإقامة الدعوى الجنائية أمام الجهة المختصة وخولها في مباشرة هذا الاختصاص كافة السلطات المخولة لقاضي التحقيق بعد أن كان اختصاص اللجان المنصوص عليها في القوانين الملغاة مقصورا على مجرد فحص الإقرارات وطلب الإيضاحات والمعلومات دون مباشرة التحقيق والتصرف فيه مما كان منوطا بالنيابة العامة، وقد استهدف الشارع بهذا التعديل في اختصاص اللجان المذكورة سرعة البت في قضايا الكسب غير المشروع رعاية لصالح المجتمع ولصالح المتهم معا، ولذا فإن هذا التعديل يعتبر - وفقا للمبدأ العام الذي يسود قواعد العقاب الإجرائية - أصلح من سابقه وأدنى إلى تحقيق العدالة إذ لو كانت هذه الأحكام أشد مما نص عليه في القانون الجديد رقم 62 لسنة 1975 فإن النص في المادة 25 من هذا القانون على سريان هذه الأحكام الأشد في حق من سبق ذكرهم يكون حينئذ مخالفا للدستور لتقريره أثرا رجعيا لقانون جنائي موضوعي، أما أن كانت هذه الأحكام أخف فإن المشرع لا يكون حينئذ في حاجة إلى النص في القانون رقم 62 لسنة 1975 على استمرار العمل بهذه الأحكام إذ تكون هي الواجبة التطبيق دون غيرها إعمالا لحكم الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات بوصفها أصلح للمتهم. ومن حيث أنه يخلص مما تقدم أن استمرار العمل بالقوانين السابقة المشار إليها في المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 - بالنسبة إلى من كانوا يخضعون لتلك القوانين وتركوا الخدمة أو زالت صفتهم قبل العمل بالقانون المذكور - ينصرف فقط إلى ما ورد في هذه القوانين من أحكام موضوعية تتعلق ببيان الجريمة وتحديد عقوبتها، أما ما عدا ذلك فتسري في شأنه أحكام القانون رقم 62 لسنة 1975. ثانيا: عن تفسير المادة الأولى من قانون محاكمة الوزراء في الإقليمين المصري والسوري الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958. من حيث أن هذه المادة تنص على ما يأتي: "تتولى محاكمة الوزراء محكمة عليا تشكل من أثنى عشر عضوا ستة منهم من أعضاء مجلس الأمة يختارون بطريق القرعة، وستة من مستشاري محكمة النقض ومحكمة التمييز يختار ثلاثة منهم بطريق القرعة مجلس القضاء الأعلى في كل إقليم. ويختار بذات الطريقة عدد مساو من أعضاء مجلس الأمة والمستشارين بصفة احتياطية. وفي حالة غياب أحد الأعضاء الأصليين أو قيام مانع لديه يحل محله أقدم الأعضاء الاحتياطيين إذا كان من المستشارين وأكبر الأعضاء سنا إذا كان من أعضاء مجلس الأمة. ويرأس المحكمة أعلى المستشارين في الدرجة والأقدمية". ومن حيث إن الخلاف في تفسير هذا النص يثور حول مسألتين الأولى هي بيان المقصود بالوزراء الذين تتولى المحكمة المنصوص عليها فيه محاكمتهم - هل يسري على الوزراء عامة ولو بعد انتهاء خدمتهم أم أن حكمها مقصور فحسب على الوزراء الذين يتولون مناصبهم فعلا دون من انتهت خدمتهم. والمسألة الثانية هي كيفية تشكيل المحكمة المنصوص عليها في هذه المادة بالنسبة إلى المستشارين بعد انفصال الإقليمين المصري والسوري - هل يجوز تشكيلها من ستة من مستشاري محكمة النقض أم أن تشكيلها قد غدا متعذرا بعد الانفصال. عن المسألة الأولى الخاصة بالوزراء الذين تتولى محاكمتهم المحكمة المنصوص عليها في المادة الأولى من قانون محاكمة الوزراء. من حيث إن المادة 159 من الدستور تنص على أن "لرئيس الجمهورية ولمجلس الشعب حق إحالة الوزير إلى المحاكمة عما يقع منه من جرائم أثناء تأدية أعمال وظيفته أو بسببها"، كما تنص المادة الأولى من قانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 على أن "تتولى محاكمة الوزراء محكمة عليا تشكل من أثنى عشر عضوا ...". ويستفاد من هاتين المادتين أن الشارع يخول الوزراء حصانة خاصة تتمثل في السلطة التي تملك إحالتهم إلى المحاكمة عن الجرائم التي يرتكبونها أثناء تأدية أعمال وظائفهم أو بسببها كما تتمثل في الهيئة التي تتولى محاكمتهم عن هذه الجرائم، وهذه الحصانة مقررة لمنصب الوزير لا لشخصه، وقد ورد نص المادة 160 من الدستور - قاطعا في الدلالة على هذا المعنى إذ تنص على أن "يقف من يتهم من الوزراء عن عمله إلى أن يفصل في أمر ...." وجلي أن الوقف عن العمل لا يكون إلا بالنسبة إلى من يكون قائما - وقت بدء اتخاذ الإجراءات قبله - بعمله فعلا كوزير - وحكمة هذا الوقف ظاهرة وهي دفع مظنة استغلال الوزير سلطات منصبه ونفوذه في التأثير في إجراءات المحاكمة، والقول بغير ذلك يعني أن يظل من شغل منصب الوزير فترة ما متمتعاً بهذه الحصانة ما بقي حيا وهو أمر يأباه المنطق القانوني السليم يؤيد هذا النظر: أولا: أن هذا المعنى هو المعنى المستفاد من نصوص المواد 66 من دستور 1923 و67/ 1 من دستور 1930 و152 من دستور 1956 و49 من دستور 1958 و140 من دستور 1964 المقابلة للمادة 159 من الدستور القائم ومن نصوص المواد 71 من دستور 1923 و72 من دستور 1930 و153 من دستور 1956 و141/ 1 من دستور 1964 المقابلة للمادة 160 من الدستور القائم، وهو المعنى الذي أفصحت عنه مناقشات لجنة وضع المبادئ العامة لدستور 1923، أثناء مناقشة المادة 66 من ذلك الدستور - وهي الأصل التاريخي للمادة 160 من الدستور الدائم من أن "الوزير الذي يتهمه مجلس النواب يبقى وزيرا ولكن يوقف عن العمل فقط وذلك لأن مصلحة العدالة تقتضي بقاءه حتى يبرئه المجلس". وقد ورد هذا القول ردا على تساؤل ثار أثناء المناقشة بشأن "ما إذا كان الوزير الذي يتهمه مجلس النواب يجب خروجه من الوزارة أم لا" (صفحة 27 وما بعدها من المحاضر). أن المادة 160 من الدستور المقابلة للمادة 71 من دستور 1923 والمادة 72 من دستور سنة 1930 والمادة 153 من دستور 1956 إذ تنص على أن "انتهاء خدمة الوزير لا يحول دون إقامة الدعوى عليه أو الاستمرار فيها"، فإنها تفترض البدء في اتخاذ الإجراءات ضد الوزير وهو قائم بعمله، وبديهي أنه لو كان نص المادة الأولى من قانون محاكمة الوزراء ينصرف إلى الوزراء ولو كانوا قد تركوا مناصبهم لما كان بالمشرع الدستوري حاجة للنص على أن انتهاء خدمة الوزير لا يحول دون إقامة الدعوى عليه أو الاستمرار فيها. ثانيا: أن المادة 72 من دستور 1930 نصت على أن "استعفاء" الوزير لا يمنع من إقامة الدعوى عليه أو الاستمرار في محاكمته، كما اتجهت إلى ذلك أيضا المادة 98 من مشروع اللجنة الأولى لدستور 1953 التي أصبحت المادة 126 من مشروع اللجنة الثانية إذ نصت على أن "استقالة" الوزير لا تمنع من إقامة الدعوى عليه أو الاستمرار في محاكمته، وغني عن البيان أن "الاستعفاء" و"الاستقالة" لا تقدم أيهما إلا من يكون قائما فعلا بأعباء الوظيفة. ثالثا: ما جاء بمحضر الجلسة السادسة عشرة للجنة نظام الحكم والسلطتين التنفيذية والتشريعية التي ناقشت مشروع دستور 1953 تعليقا على المادة 98 من ذلك المشروع المقابلة للمادة 159 من الدستور من أن "تقرير هذه الحصانة ليس مقصودا به شخص الوزير بل المصلحة العامة" مما يدل على اتجاه واضعي هذا المشروع إلى ذات المعنى سالف الذكر. ومن حيث إنه يبين مما تقدم أن ما كان ماثلا في ذهن واضعي الدساتير المصرية المتعاقبة ابتداء من دستور 1923 حتى الدستور القائم عن الوزير الذي تتولى الجهة التي اختصها الدستور بمحاكمته عن الجرائم التي يرتكبها أثناء تأدية وظيفته أو بسببها هو الوزير العامل الذي يكون قائما فعلا بأعمال وظيفته عند بدء اتخاذ إجراءات الاتهام والمحاكمة ضده. ولا ينال من ذلك ما تنص عليه المادة 20 من قانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 من أنه "إذا قدم اقتراح واتهام وزير وكانت خدمته قد انتهت وجب سماع أقواله أمام مجلس الأمة ولجنة التحقيق إذا طلب ذلك بعد تقديم الاقتراح وقبل صدور قرار الاتهام" لأن هذا النص إذ يعالج وضع الوزير الذي انتهت خدمته قبل البدء في اتخاذ إجراءات الاتهام ضده - وهو الاقتراح بالاتهام - فيوجب سماع أقوال هذا الوزير أن طلب سماع أقواله في الفترة بين تقديم الاقتراح بالاتهام وصدور قرار الاتهام إنما يتعارض مع حكم المادتين 159 و160 من الدستور اللتين تفترضان البدء في اتخاذ إجراءات الاتهام ضد الوزير وهو قائم فعلا بأعباء الوظيفة يؤيد هذا النظر أن المادة 160 من الدستور إذ نصت على أن "انتهاء خدمة الوزير لا يحول دون إقامة الدعوى عليه والاستمرار فيها" إنما تفيد البدء في اتخاذ الإجراءات المذكورة قبل انتهاء خدمة الوزير، ومن ثم يتعين الالتفات عن المادة 20 من القانون رقم 79 لسنة 1958 المشار إليها والاعتداد بنصوص الدستور المتقدم ذكرها. ومن حيث أنه يخلص مما تقدم أن نص المادة الأولى من قانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 يسري - فقط - على الوزراء العاملين أثناء تولي مناصبهم كما يسري على الوزراء السابقين متى بدأت إجراءات اتهامهم ومحاكمتهم قبل ترك هذه المناصب بحيث تستمر هذه الإجراءات بعد ذلك تطبيقا لنص المادة 160 من الدستور. عن المسألة الثانية الخاصة بكيفية تشكيل المحكمة التي تتولى محاكمة الوزراء بعد انفصال الإقليمين المصري والسوري. من حيث أن اتحاد مصر وسوريا في سنة 1958 في دولة واحدة ترتب عليه نشوء دولة جديدة باسم "الجمهورية العربية المتحدة"، وقد أفرد دستور سنة 1958 بابا قائما بذاته - هو الباب الخامس منه - عالج فيه أثر قيام الدولة الجديدة على التشريعات المعمول بها في كل من الإقليمين فنص على أن "تبقى هذه التشريعات سارية المفعول في النطاق الإقليمي المقرر لها عند إصدارها"، وقد أصدرت الدولة الجديدة العديد من التشريعات منها القانون رقم 79 لسنة 1958 الخاص بمحاكمة الوزراء، وفي سنة 1961 انفصل الإقليم السوري عن الدولة الجديدة التي بقيت بعد الانفصال تحمل "اسم الجمهورية العربية المتحدة" وفقا للمادة الأولى من دستور 1964، ولما كان انفصال جزء من إقليم الدولة عنها لا يؤثر في نفاذ القوانين السارية فيها - فإن انفصال الإقليم السوري في عام 1961 عن الجمهورية العربية المتحدة لا يؤثر في استمرار سريان القانون المشار إليه في مصر بعد انفصال سوريا لأنه كان وما زال قانونا من قوانين "الجمهورية العربية المتحدة". وإذ نصت المادة الأولى من القانون المشار إليه على تشكيل المحكمة المنوط بها محاكمة الوزراء من عنصر سياسي وعنصر قضائي يمثل كل عنصر منهما ستة أعضاء وكان العنصر القضائي أثناء الوحدة موزعا بالتساوي بين إقليمي الدولة فإن هذا العنصر يصبح بعد الانفصال مكونا من ستة من مستشاري محكمة النقض المصرية عملا بأحكام الميراث الدولي سالفة الذكر. ومن حيث أنه يخلص مما تقدم أن المحكمة التي تتولى محاكمة الوزراء تشكل في مصر بالنسبة إلى العنصر القضائي بعد انفصال الإقليمين السوري والمصري - من ستة من مستشاري محكمة النقض لا من ستة من مستشاري محكمة النقض والتمييز. ثالثا: عن تفسير المادة 5 من قانون محاكمة الوزراء في الإقليمين المصري والسوري الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958. من حيث إن هذه المادة تنص على ما يأتي: "مع عدم الإخلال بالعقوبات المقررة في القوانين الأخرى يعاقب الوزراء بالعقوبات المنصوص عليها في هذا القانون إذا ارتكبوا في تأدية وظائفهم جريمة من الجرائم الآتية: 1- الجناية العظمى: وتعتبر جناية عظمى كل جريمة تمس سلامة الدولة أو أمنها الخارجي أو الداخلي أو نظام الحكم الجمهوري ويكون منصوصاً عليها في القوانين المصرية أو السورية ومحدداً لها في أي من هذه القوانين عقوبات الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة أو الاعتقال المؤبد أو المؤقت. 2- مخالفة الأحكام الأساسية التي يقوم عليها الدستور. 3- التصرف أو الفعل الذي من شأنه التأثير بالزيادة أو النقصان في أثمان البضائع أو العقارات أو أسعار أوراق الحكومة أو الأوراق المالية المقيدة بالبورصة أو القابلة للتداول في الأسواق بقصد الحصول على فائدة شخصية له أو للغير. 4- استغلال النفوذ ولو بطريق الإيهام للحصول على فائدة أو ميزة ذاتية لنفسه أو لغيره من أية سلطة عامة أو هيئة أو شركة أو مؤسسة. 5- المخالفة العمدية للقوانين أو اللوائح التي يترتب عليها ضياع حق من الحقوق المالية للدولة أو أحد الأشخاص الاعتبارية العامة الأخرى. 6- العمل أو التصرف الذي يقصد منه التأثير في القضاء أو أية هيئة خولها القانون اختصاصا في القضاء أو الإفتاء في الشئون القانونية. 7- التدخل في عملية الانتخاب أو الاستفتاء أو إجراءاتهما بقصد التأثير في نتيجة أي منهما سواء كان ذلك بإصدار أوامر أو تعليمات مخالفة للقانون إلى الموظفين أو باتخاذ تدابير غير مشروعة". ومن حيث إن الخلاف في تفسير هذا النص يقوم في شأن الجرائم التي يحاكم عنها الوزراء طبقا لقانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 هل يقتصر على محاكمة الوزراء طبقا لهذا القانون على ما ورد فيه من جرائم، أم أن نطاق تطبيق هذا القانون يمتد إلى غير هذه الجرائم مما يقع من الوزراء أثناء تأدية أعمال وظائفهم أو بسببها. ومن حيث إن الفقرة الأولى من المادة 159 من الدستور تنص على أن "لرئيس الجمهورية ولمجلس الشعب حق إحالة الوزير إلى المحاكمة عما يقع منه من جرائم أثناء تأدية أعمال وظيفته أو بسببها". ويستفاد من هذا النص في ضوء تتبع مصدره التاريخي وهو المادتان 66 و68 من دستور 1923 أنه يقوم على التفرقة بين الجرائم التي يرتكبها الوزير بوصفه فردا عاديا دون أن يكون لها أي علاقة بوظيفته، وهذه ينعقد الاختصاص بالاتهام والمحاكمة فيها للسلطات ذات الولاية العامة إعمالا لمبدأ المساواة بين المواطنين لدى القانون بالتطبيق لحكم المادة 40 من الدستور، وبين الجرائم التي يرتكبها الوزير أثناء قيامه بأعمال وظيفته أو بسببها سواء كانت من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات أو كانت من الجرائم المنصوص عليها في قانون محاكمة الوزراء، أو في أي قانون آخر. لأن هذه الجرائم الأخيرة هي التي تقتضي - دون سواها - وضع إجراءات خاصة للاتهام والمحاكمة تطبيقا للمادتين 159 و160 من الدستور فيعهد باتهام الوزير ومحاكمته إلى سلطات خاصة وعلى مقتضى ذلك تكون محاكمة الوزراء - وفقا لقانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 - غير مقصورة على ما ورد في المادة الخامسة من هذا القانون من جرائم، وإنما تمتد - كذلك - إلى كل الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات وفي القوانين المكملة له ما دامت تقع من الوزير من أثناء تأدية وظيفته أو بسببها، يؤيد هذا النظر: أولا: يبين من نص المادتين 66 و68 من دستور 1923 وهما المصدر التاريخي للمادة 159 من الدستور ومن استقصاء مناقشات لجنة وضع دستور 1923 ولجنة وضع المبادئ العامة لهذا الدستور، ومن متابعة المراحل التي مرت بها صياغة المادة 68 منه، أن نية المشرع قد انصرفت إلى محاكمة الوزراء جنائيا عن كل ما يقع منهم من جرائم أثناء تأدية وظائفهم أو بسببها سواء نص عليها في قانون خاص أو في قانون العقوبات إذ تنص المادة 66 من ذلك الدستور على أن "لمجلس النواب وحده حق اتهام الوزراء فيما يقع منهم من الجرائم في تأدية وظائفهم ... ولمجلس الأحكام المخصوص حق محاكمة الوزراء عما يقع منهم من تلك الجرائم" كما تنص المادة 68 منه على أن "يطبق مجلس الأحكام المخصوص قانون العقوبات في الجرائم المنصوص عليها فيه، وتبين في قانون خاص أحوال مسئولية الوزراء التي لم يتناولها قانون العقوبات". وقد دارت المناقشة بين أعضاء لجنة وضع المبادئ العامة لدستور سنة 1923 في شأن المادتين 66 و68 من هذا الدستور حول مسئولية الوزراء جنائيا عن كل ما يرتكبونه من جرائم أثناء تأدية وظائفهم أو بسببها، سواء منها ما هو منصوص عليه في قانون العقوبات أو ما ينص عليه في قانون محاكمة الوزراء، ولذا فقد اتجه الرأي في هذه اللجنة إلى عدم توقيع عقوبة أشد من عقوبة الحبس في حالة ارتكاب الوزير فعلا لم ينص عليه قانون العقوبات ثم اتجهت اللجنة العامة لوضع هذا الدستور إلى تحديد مدة عقوبة الحبس المذكورة بما لا يزيد على ثلاث سنوات وإضافة عقوبة النفي لمدة لا تزيد على عشر سنوات على أن يكون للمجلس المخصوص الخيار بين توقيع إحدى هاتين العقوبتين، وانتهى الأمر بالإحالة - في شأن الجرائم التي لم ينص عليها قانون العقوبات وفي شأن العقوبة التي تقع على مرتكبها - إلى قانون خاص يصدر بذلك ومن ثم وضعت المادة 68 من ذلك الدستور بالصيغة النهائية التي صدرت بها فنصت على أن "يطبق مجلس الأحكام المخصوص قانون العقوبات في الجرائم المنصوص عليها فيه وتبين في قانون خاص أحوال مسئولية الوزراء التي لم يتناولها قانون العقوبات" مما مفاده أن صدور قانون محاكمة الوزراء ليس من شأنه قصر مسئولية الوزراء على ما ينص عليه من جرائم لأن الأصل فيه أنه خاص فقط ببيان الأفعال الأخرى التي لم ينص عليها قانون العقوبات. ثانيا: أن نص المادة 69 من دستور سنة 1930 المقابل للمادة 68 من دستور 1923 صريح في أن "يطبق مجلس الأحكام المخصوص قانون العقوبات أو القوانين الخاصة بجرائم الوزراء ...". ثالثا: أن مشروع دستور سنة 1953 قد اتجه ذات الاتجاه إذ نصت المادة 97 من المشروع الأول لهذا الدستور التي أصبحت المادة 126 من مشروع اللجنة الثاني على أن "الوزراء مسئولون جنائيا عن الجرائم التي يرتكبونها بسبب تأدية وظائفهم. ويطبق قانون العقوبات في الجرائم المنصوص عليها فيه. ويطبق القانون الخاص بأحوال مسئولية الوزراء في الجرائم الواردة فيه ولم يتناولها قانون العقوبات" وقد وافقت لجنة هذا الدستور على هذه الصياغة. رابعا: أن المشرع - في المادة 5 من قانون محاكمة الوزراء الصادر أثناء الوحدة مع سوريا بالقانون رقم 79 لسنة 1958، وفي المادة السابعة من قانون محاكمة رئيس الجمهورية والوزراء الصادر - قبل الوحدة - بالقانون رقم 247 لسنة 1956 قد حرص على النص صراحة على أن العقوبات المنصوص عليها في كل من هذين القانونين لا تخل بالعقوبات المقررة في قانون العقوبات أو في القوانين الأخرى، وقد جاء بالمذكرة الإيضاحية للقانون رقم 247 لسنة 1956 أن تعيين الجرائم الواردة في هذا القانون "لا تخل بمسئولية الوزراء عما يرتكبونه في تأدية وظائفهم من جرائم يعاقب عليها قانون العقوبات". ومن حيث أنه يخلص مما تقدم أن نص المادة الخامسة من قانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 يتناول فضلا عن الجرائم الواردة به الجرائم الأخرى التي تقع من الوزراء أثناء تأدية أعمال وظائفهم أو بسببها. "فلهذه الأسباب" بعد الاطلاع على المادتين 159/ 160 من الدستور. وعلى المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع. وعلى المادتين 1 و5 من قانون محاكمة الوزراء في الإقليمين المصري والسوري الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958. قررت المحكمة أولا: "أن استمرار العمل بالقوانين المشار إليها في المادة 25 من القانون رقم 62 لسنة 1975 في شأن الكسب غير المشروع - بالنسبة إلى من كانوا يخضعون لتلك القوانين وتركوا الخدمة أو زالت صفتهم قبل العمل بالقانون رقم 62 لسنة 1975 - ينصرف فحسب إلى الأحكام الموضوعية الواردة في هذه القوانين أما ما عدا ذلك فتسري في شأنه أحكام القانون رقم 62 لسنة 1975". ثانيا: (أ) "أن نص المادة الأولى من قانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 يسري على الوزراء العاملين أثناء تولي مناصبهم كما يسري عليهم بعد تركها بشرط أن تكون إجراءات اتهامهم ومحاكمتهم قد بدأت قبل ترك مناصبهم". (ب) "أن المحكمة التي تتولى محاكمة الوزراء تشكل في مصر بعد انفصال الإقليمين المصري والسوري من ستة من مستشاري محكمة النقض بدلا من مستشاري محكمة النقض ومحكمة التمييز". ثالثا: "أن نص المادة الخامسة من قانون محاكمة الوزراء الصادر بالقانون رقم 79 لسنة 1958 يتناول فضلا عن الجرائم الواردة به الجرائم الأخرى التي قد تقع من الوزراء أثناء تأدية قيامهم بأعمال وظائفهم أو بسببها". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تنويه يوجد خطأ مطبعي في الصورة الخطأ: إذ تنص المادة 69 من ذلك الدستور على أن الصواب: إذ تنص المادة 66 من ذلك الدستور على أن.